جان لوئيس بوركهارت
291
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
تثبت له خيانتها بالدليل الحاسم . وقد يرى البشاري غريبا يقبل امرأته فيصرف المسألة بضحكة ، ولكنه قاتلها لا محالة إن أمسكها ترتكب الفحشاء . وبشاريو عطبرة - كغيرهم من البشاريين - سلالة تمتاز بوسامة الخلقة وجرأة الطبع ، وهم لا يضعون سلاحهم قط ولا يفيقون من عراكهم وقتالهم . ويتفشى السكر بينهم تفشيه بين عرب شندى ، ولم تمض ليلة لم نسمع فيها صخبهم وضجيجهم في مشارب البوظة ، وهم ميالون إلى مد أيديهم لمتاع التجار ، وعلى الرغم مما اتخذنا من حيطة وحذر فإن أحدا منا لم يسلم من لصوصيتهم . ففقدنا أشتاتا من متاعنا ، وسرق من الجمال بعضها ولكنها ردت بفضل تدخل رئيس القافلة الذي حصل من أصحابها على هدية طيبة لقاء جهوده . وولعهم بالسرقة ليس شرّ ما في طباعهم ، فإن فيهم - على ما بدالى - غدرا وقسوة وحرصا وحبا للثأر ، وهم ينقادون لهذه النزوات فلا يردعهم عنها رادع من دين أو قانون . أذكر أن رجلا من أهل القرية - وكان قد صحبنا من شندى - افتقد عند وصوله جملين من أفضل جماله فإذا هما مسروقان ، واشتبه الرجل في جار له فجاء إلى التكارنة يستعين بسحرهم على تأييد شبهته ولكنهم أبوا أن يعطوه جوابا شافيا أو أن يتدخلوا في الأمر ، فأقسم الرجل ليذبحن عيال اللص لو عرفه وليقطعن إبله تقطيعا وليهدمن بيته حتى يخرج إلى الأحراش يلتمس قوته كما تفعل البهائم . والبشاريون على بكرة أبيهم مسلمون ، ولكنهم لا يعبأون بشعائر دينهم ولا يؤدون فريضة من فرائضه ، فهم في هذا على نقيض الحجاج الزنوج الذين يمرون بهذا الطريق ، والذين لا تفوتهم فريضة من فرائض الإسلام . وبخل البشاريين على الضيف يكنفى وحده دليلا على أنهم إفريقيون لا غش فيهم ، ولكن لغتهم تؤيد هذا الظن تأييدا لا يترك للشك مجالا . وآية بخلهم أننا لم نستطع أن نظفر منهم بقطرة من اللبن دون أن نؤدى ثمنها ، وقد اقتضتنا النسوة أجرة استعمالنا قدورا من الفخار عتيقة كنا في حاجة إليها أثناء مكثنا بينهم ، بل إن أحدا منهم لم يرض أن يقوم مترجما بيننا وبين من يجهلون منهم العربية ، دون أن يأخذ لقاء ذلك حفنة من الذرة على الأقل . لهذا الجشع تلحظه في كل تصرفاتهم ، وهو لا يظهر في معاملتهم لركاب القوافل فحسب - فهؤلاء بطبيعة